ومن هنا اكتسبت المواقع القائمة على الويب قيمة تربوية تتجاوز كونها مخازن للمحتوى؛ إذ إن فاعليتها الحقيقية تتجلى حين تصبح بيئة مولدة للمبادرة، ومجالا يتعلم فيه الطالب كيف يطلب المعرفة وكيف يبني موقفه منها. فحين تتسع موارد التعلم، ويتعدد طريق الوصول إليها، يتراجع منطق التلقي الأحادي، ويبرز المتعلم بوصفه ذاتا قادرة على البحث والاختيار والمتابعة، لا مجرد مستقبِل ينتظر ما يلقى إليه. وهذا التحول يجعل التعلم الذاتي نتيجة طبيعية لبيئة تعليمية تنفتح على التفاعل وتمنح الطالب مساحة أرحب للمسؤولية (حسن، 2012).
غير أن هذا الاتساع لا يثمر بذاته، لأن البيئة الرقمية لا تكافئ الحضور السلبي. فالنجاح في التعلم عبر الإنترنت يرتبط بنشوء مهارات مخصوصة لدى المتعلم، مثل إدارة الوقت، والانخراط الواعي في الأنشطة، وحسن التواصل، والقدرة على تنظيم الجهد الشخصي. لذلك فإن التعليم الشبكي لا يغير وعاء التعلم فقط، بل يختبر جوهره: هل يملك الطالب من الكفاية الداخلية ما يؤهله لأن يتعلم في فضاء أقل ضبطا وأكثر انفتاحا؟ عند هذه النقطة بالذات يتكشف الفرق بين من يستخدم التقنية، ومن يعيد بناء علاقته بالمعرفة من خلالها (Roper, 2007).
وفي السياق الفلسطيني، تتخذ هذه المسألة بعدا أكثر عمقا، لأن التحول الرقمي لا يواجه سؤال الفاعلية فقط، بل يواجه أيضا سؤال الإمكان والبنية والتخطيط. والاتجاه العام الذي تكشفه الرسالة أن نجاح التعليم الإلكتروني لا يتحقق بمجرد إتاحة الوسيط، بل يحتاج إلى بناء ثقافة تعلم جديدة، وتعزيز البنية التحتية، وتطوير المنصات، وتوجيه الممارسة نحو إشراك الطالب في التخطيط والتقويم والتعلم الذاتي. بذلك يصبح التعليم الشبكي مشروعا تربويا مقصودا، لا حلا ظرفيا يملأ فراغ الطوارئ (أبو مويس وأبو الرب، 2024).
ومع هذا التحول ينتقل مركز الثقل من امتلاك المعلومة إلى امتلاك القدرة على التعامل معها. فالمتعلم في البيئات الإلكترونية لا ينتفع من وفرة المعرفة ما لم يمتلك آليات التنظيم الذاتي، والقدرة على وضع الأهداف، ومراقبة التقدم، وتأويل التغذية الراجعة، وإعادة توجيه جهده تبعا لما يواجهه من صعوبات. ولهذا فإن التعلم الذاتي في الفضاء الرقمي ليس هامشا مكملا، بل هو البنية الداخلية التي تحفظ للتعلم معناه وسط التشعب والكثرة والانفتاح (Song & Hill, 2007).
ومن ثم فإن قيمة الوسيط الإلكتروني لا تقاس ببريقه التقني، بل بمدى خضوعه لرؤية تربوية واعية. فالموقع التعليمي لا يغدو مؤثرا لأنه موجود على الإنترنت، بل لأنه مصمم ليخدم أهدافا تعليمية محددة، وينظم الخبرة، وييسر التفاعل، ويقود المتعلم إلى مسار واضح في الفهم والممارسة والتقويم. وحين يغيب هذا القصد التربوي، تتحول التقنية إلى سطح جاذب يخفي فراغا تعليميا، أما حين تحضر الفلسفة التعليمية في التصميم، فإن الوسيط نفسه يصبح جزءا من بناء المعنى لا مجرد قناة لنقله (مصطفى، 2006).
لهذا كله، فإن القول بأن العصر الشبكي غير وسيلة التعلم فقط قول قاصر؛ لأن ما تغير في العمق هو تصورنا للتعلم ذاته. لقد غدا التعلم أكثر اتصالا بالحياة، وأكثر اعتمادا على مبادرة المتعلم، وأكثر احتياجا إلى التوازن بين التعلم الذاتي والتعليم المنظم. وليس المقصود من دمج التقنية إلغاء الصف أو إقصاء المعلم، بل إنتاج صيغة تعليمية أقدر على الجمع بين مرونة التعلم الذاتي وانضباط التعلم المؤسسي، بحيث تصبح التكنولوجيا جزءا من ثقافة التعلم لا بديلا أجوف عنها (Soyemi & Ogunyinka, 2012).
المصادر
أبو مويس، داود فوزي داود، وأبو الرب، عماد. (2024). فاعلية موقع تعليمي على شبكة الإنترنت في تنمية مهارات التعلم الذاتي لدى طلاب الصف الثامن الأساسي (رسالة ماجستير غير منشورة). الجامعة العربية الأمريكية - جنين.
حسن، نبيل السيد محمد. (2012، حزيران). فاعلية استخدام موقع قائم على الويب وفق النظرية البنائية والسلوكية في تنمية مهارات التعلم الذاتي والاتجاه نحوه لدى طلاب تكنولوجيا التعليم. دراسات عربية في التربية وعلم النفس، 3(27)، 12-51.
مصطفى، أكرم فتحي. (2006). إنتاج مواقع الإنترنت التعليمية (ط1). دار عالم الكتب للطباعة والنشر والتوزيع.
Roper, A. (2007). How students develop online learning skills. EDUCAUSE Quarterly, 30(1).
Song, L., & Hill, J. R. (2007). A conceptual model for understanding self-directed learning in online environments. Journal of Interactive Online Learning, 6(1), 27-42.
Soyemi, J., & Ogunyinka, O. I. (2012, January). Integrating self-paced e-learning with conventional classroom learning in Nigeria educational system. Mediterranean Journal of Social Sciences, 4, 127-133.



