تعد الموارد البشرية من أعظم الدعائم التي تستند إليها المؤسسات في بناء قدرتها التشغيلية وتحقيق أهدافها الاستراتيجية؛ فهي التي تمد العمل بما يحتاجه من كفاءات مؤهلة، تمتلك المعرفة والمهارة والقدرة على الاضطلاع بأعباء الوظيفة ومسؤولياتها. ولما كان الأصل في المؤسسات الناجحة أن تتوسع كما ونوعا، فإن هذا التوسع يستدعي بالضرورة استقطاب أفراد قادرين على أداء المهمات الجديدة، أو إحلالهم محل أفراد انتقلوا إلى وظائف أخرى داخل المؤسسة أو خارجها. ومن هنا يغدو حسن اختيار الأشخاص الأكفأ والأكثر ملاءمة للوظيفة عاملا حاسما في نجاح المؤسسة وتطورها، في حين أن الاختيار غير السليم قد يكون سببا مباشرا في تعثرها وتراجعها وإخفاقها في بلوغ مقاصدها.
تعريف التوظيف
يمكن تعريف التوظيف بأنه مجموعة الإجراءات والوسائل والأنشطة التي تعتمدها إدارة المؤسسة من أجل استقطاب المرشحين واختيار الأنسب منهم لشغل وظائف أو أداء مهمات محددة، وفقا لشروط ومعايير تنسجم مع طبيعة العمل ومتطلباته.
مصادر التوظيف
يقسم الباحثون مصادر التوظيف إلى مصدرين رئيسيين، وذلك بحسب علاقة المرشحين بالمؤسسة: مصادر داخلية، ومصادر خارجية.
أولا: مصادر التوظيف الداخلية
ويقصد بها لجوء المؤسسة إلى اختيار عناصر بشرية من داخلها، ترى فيهم الأهلية والقدرة على تحمل مسؤوليات جديدة أو القيام بمهام محددة، وتتوقع منهم الإسهام في تحقيق الأهداف المنشودة. ويتم ذلك عبر عدد من الأساليب، من أهمها:
الترقية
وتكون بترقية أحد الموظفين إلى وظيفة أعلى، كرئاسة قسم أو إدارة فرع من فروع المؤسسة.
النقل الوظيفي
ويتمثل في نقل الموظف من قسم إلى آخر يكون أكثر توافقا مع خبراته أو أكثر حاجة إلى قدراته.
التكليف الداخلي
ويعني إسناد مهمة محددة إلى أحد العاملين داخل المؤسسة بصورة مؤقتة أو دائمة بحسب الحاجة.
التعاون مع الشركاء والجهات المرتبطة
ويظهر ذلك من خلال التكامل الوظيفي أو العملي بين المؤسسة وجهات أخرى تربطها بها علاقات شراكة أو تعاون، بما يخدم إنجاز أعمال محددة.
مزايا التوظيف الداخلي
رفع دافعية العاملين إلى تطوير قدراتهم والسعي إلى الترقية أو تولي مواقع أفضل.
الاستفادة من كوادر تمتلك خبرة سابقة ومعرفة دقيقة بطبيعة العمل وأنظمة المؤسسة.
تعزيز الانتماء المؤسسي ورفع الروح المعنوية لدى العاملين.
تحقيق قدر أكبر من الأمن الوظيفي والحفاظ على أسرار المؤسسة.
تقليل الجهد والوقت والتكاليف التي قد تتطلبها عملية استقطاب موظفين جدد وتدريبهم.
عيوب التوظيف الداخلي
الحد من دخول خبرات جديدة ورؤى مختلفة يمكن أن تسهم في تطوير المؤسسة.
ضيق دائرة الاختيار بسبب محدودية عدد المرشحين المتاحين داخل المؤسسة.
احتمال تأثر قرارات الاختيار بالعلاقات الشخصية على حساب الكفاءة المهنية.
ثانيا: مصادر التوظيف الخارجية
لا يمكن لأي مؤسسة تطمح إلى النمو وتوسيع أعمالها أن تظل معتمدة على الموارد البشرية ذاتها التي بدأت بها؛ إذ إن التطور المستمر يفرض عليها البحث عن طاقات جديدة وخبرات متنوعة من خارج بنيتها الداخلية. ولهذا تلجأ المؤسسات إلى التوظيف الخارجي عبر وسائل متعددة، من أبرزها:
الإعلان عن الوظائف الشاغرة من خلال وسائل الإعلان المختلفة.
الاستعانة بمكاتب التوظيف التي تمتلك قواعد بيانات وسجلات للباحثين عن العمل.
التعاون مع المؤسسات والهيئات الأخرى، مثل الوزارات والنقابات والجامعات، عبر برامج ومبادرات مشتركة.
الاختيار من بين طلبات التوظيف المباشر المقدمة من الأفراد الراغبين في العمل.
معايير وضوابط اختيار الموظفين
حتى تكون عملية التوظيف عادلة وفاعلة، لا بد من الالتزام بجملة من المعايير والضوابط، من أهمها:
الإعلان المسبق عن الشاغر الوظيفي وطبيعة العمل المطلوب.
تحديد المؤهلات العلمية والمهارات العملية المطلوبة بصورة واضحة ومفصلة.
بيان عناصر القوة أو الأفضلية في المرشحين، مثل الخبرة، أو مكان السكن، أو السن المناسب، أو إتقان لغات إضافية.
تحديد مدة زمنية واضحة لاستقبال الطلبات، وبيان موعد إعلان النتائج.
تحقيق المساواة بين جميع المرشحين في فرص التقدم والتنافس.
اعتماد الكفاءة والمعايير المهنية أساسا في الانتقاء والمفاضلة.
الالتزام بالمصداقية والشفافية في جميع مراحل الاختيار.
خطوات اختيار الموظفين من بين المرشحين
تمر عملية اختيار الموظفين بعدد من الخطوات المتتابعة، يمكن إجمالها فيما يأتي:
استقبال طلبات التوظيف من المرشحين.
فرز الطلبات وتصفية المتقدمين لاختيار الأكثر تأهيلا.
تحديد مواعيد الاختبارات والمقابلات للمرشحين الأوفر حظا.
المقارنة بين أفضل المرشحين وفق معايير موضوعية واختيار الأنسب للوظيفة.
إبلاغ من وقع عليهم الاختيار وتحديد موعد مباشرة العمل، غالبا ضمن فترة تجريبية.
إعداد برامج تدريب وتأهيل للموظفين الجدد تمهيدا لتثبيتهم ودمجهم في بيئة العمل.
خاتمة
إن التوظيف ليس إجراء إداريا عابرا، بل هو قرار مؤسسي بالغ الأثر، يتصل بمستقبل المؤسسة وكفاءتها واستقرارها. فكل اختيار وظيفي سليم هو استثمار بعيد الأمد في الإنسان وفي جودة الأداء، وكل خلل في هذه العملية قد يورث المؤسسة عبئا يصعب تداركه. ومن ثم فإن حسن إدارة التوظيف، من حيث المصادر والمعايير والخطوات، يمثل أحد المفاتيح الجوهرية لصناعة مؤسسة قوية، عادلة، وقادرة على النمو والاستمرار.

